الشوكاني

210

نيل الأوطار

يتسمنون أي يتكثرون بما ليس فيهم ويدعون ما ليس لهم من الشرف . قال في الفتح : ويحتمل أن يكون جميع ذلك مرادا . وقد ورد في لفظ من حديث عمران عند الترمذي بلفظ : ثم يجئ قوم متسمنون ويحبون السمن قال الحافظ : وهو ظاهر في تعاطي السمن على حقيقته فهو أولى ما حمل عليه خبر الباب . وإنما كان ذلك مذموما لأن السمين غالبا يكون بليد الفهم ثقيلا عن العبادة كما هو مشهور . قوله : ويشهدون ولا يستشهدون يحتمل أن يكون التحمل بدون تحميل أو الأداء بدون طلب . قال الحافظ : والثاني أقرب ، وأحاديث الباب متعارضة ، فحديث زيد بن خالد الجهني يدل على استحباب شهادة الشاهد قبل أن يستشهد . وحديث عمران وأبي هريرة يدلان على كراهة ذلك . وقد اختلف أهل العلم في ذلك فبعضهم جنح إلى الترجيح ، فرجح ابن عبد البر حديث زيد بن خالد لكونه من رواية أهل المدينة فقدمه على حديث عمران لكونه من رواية أهل العراق ، وبالغ فزعم أن حديث عمران المذكور لا أصل له ، وجنح غيره إلى ترجيح حديث عمران لاتفاق صاحبي الصحيح عليه وانفراد مسلم بإخراج حديث زيد ، وذهب آخرون إلى الجمع ، فمنهم من قال : إن المراد بحديث زيد من عنده شهادة لانسان بحق لا يعلم بها صاحبها فيأتي إليه فيخبره بها ، أو يموت صاحبها العالم بها ويخلف ورثة فيأتي الشاهد إلى ورثته فيعلمهم بذلك ، قال الحافظ : وهذا أحسن الأجوبة ، وبه أجاب يحيى بن سعيد شيخ مالك ومالك وغيرهما . ثانيها إن المراد بحديث زيد شهادة الحسبة وهي ما لا يتعلق بحقوق الآدميين المختصة بهم محضا ، ويدخل في الحسبة مما يتعلق بحق الله أو فيه شائبة منه العتاق والوقف والوصية العامة والعدة والطلاق والحدود ونحو ذلك . ( وحاصله ) أن المراد بحديث زيد الشهادة في حقوق الله ، وبحديث عمران وأبي هريرة الشهادة في حقوق الآدميين . ثالثها : أنه محمول على المبالغة في الإجابة إلى الأداء فيكون لشدة استعداده لها كالذي أداها قبل أن يسألها . وهذه الأجوبة مبنية على أن الأصل في أداء الشهادة عند الحاكم أنه لا يكون إلا بعد الطلب من صاحب الحق ، فيخص ذم من يشهد قبل أن يستشهد بمن ذكر ممن يخبر بشهادته ولا يعلم بها صاحبها ، وذهب بعضهم إلى جواز أداء الشهادة قبل السؤال على ظاهر عموم حديث زيد ، وتأولوا حديث عمران بتأويلات ، أحدها : أنه محمول على شهادة الزور أي يؤدون شهادة لم يسبق لهم تحملها ، وهذا حكاه الترمذي عن بعض أهل العلم . ثانيها : المراد